1

الهند هي أصل الغجر، هكذا يزعم الباحثون، ومن شمالها انطلقَتْ هجراتهم الأولى ليتشظوا في بقاع الأرض، فهُم الحَلَب في مصر والسودان، والنَوَر في فلسطين والأردن ولبنان، والكاولية في العراق، والمُهتار في إيران، والتشوري والي في أفغانستان.

لهذا شددت الرحال إلى بلدة بوشكار -إحدى بلاد الغجر- في ولاية راجستان بعد أيام قليلة من وصولي للهند، أقلّني سائقٌ غيرُ متزن مفرط الحركة والحديث، متهورٌ في قيادته في طرقات الهند التعيسة والمكتظة بالمشاة والأبقار المقدسة والعربات والدراجات النارية والهوائية، اُبتليت برفقته وقتاً لا بأس به في الهند ، وقادني في رحلة مجنونة استغرقت قرابة الثماني ساعات من العاصمة دلهي إلى بوشكار مدينة الغجر.

 

لكن “بيرجو” – وهذا اسمه – يمتلك صوتاً شجياً وعذباً، ويحفظ كل أغاني الأفلام الهندية قديمها وحديثها، لاحظت فراغاً مكان جهاز التسجيل، فأخبرني أن عربته تعرضت للسرقة، ولم يقم بعد بشراء مسجلٍ جديد؛ قال لي بكل جدية: أستطيع أن أغني لك أية أغنية هندية تخطر ببالك، فقط اطلب مني ذلك في أي وقت، وظننته يمزح، كان يكفي أن أذكر مطلع الأغنية أو جزءاً من كلماتها ولحنها حتى يبدأ بالغناء. أردت أن أشاكسه فقلت له إن الهنود يقومون بسرقة الألحان من العرب، واستشهدت بأغنية Dil Ne Ye Kaha Hai Dil Se وتعني “قلبي يُحدّثُ قلبكِ”، والتي تحولت إلى “أحبك ليه أنا ما ادري” بصوت الفنان السعودي عبدالمجيد عبدالله، لم يصدق، فأسمعته النسخة العربية من اليوتيوب مباشرةً، وجُنّ المسكين وراح يدافع عن أصالة الفن الهندي ببسالة، وضحكت من أعماقي.


قُبيل وصولنا للبلدة بكيلومترات قليلة، استوقفتنا عصابة صغيرة مؤلفة من ستة أشخاص من “البلاطجة”، يحملون العصي والسواطير، ويقيمون حاجزاً في منتصف الطريق، مطالبين بإتاوة حتى نستطيع المرور، على طريقة “شَخْلِلْ يا بَلَدينا” في فلم عادل إمام وسعيد صالح “سلام يا صاحبي”.

دفع بيرجو الإتاوة –ما يعادل دولاراً واحداً – مطلقاً سيلاً من السباب الهندي البذيء، بعد أن تخطينا حاجز البلاطجة بالتأكيد وبصوتٍ خفيض، وكنت أراقب المشهد بفضول واستمتاع كمن يشاهد فيلماً بوليوديا، كنت أراقب المشهد من خارج الشاشة.

في سبيل زيارتي لغجر الهند كنت على استعداد لفعل المستحيل، كنت أريد أن أعرف ممن استوحى جابرييل ماركيز شخصية الغجري ملكياديس في روايته العظيمة مئة عام من العزلة، ومن أي لحم ودم اقتبس فيكتور هيجو شخصية أزميرالدا في رائعته أحدب نوتردام، ولماذا جُنّ شاعر الأردن “عرا ر” بالغجر وأقام لديهم، وما الذي يربط ربابة الفنان الشعبي الغجري المصري الريس متقال بالربابة الغجرية.

كنت على يقين أن خيطاً خفياً يربط مصائر هؤلاء القوم، وأن تشابه ملامحهم يدل على أصلهم الواحد والغامض.

2

يتشابه الغجر، ليس بسبب أصلهم الواحد ونشأتهم الأولى فحسب، بل لأنهم عقدوا منذ بدء الخليقة اتفاقاً مع الشمس والريح، أن تُشَكّلَ الشمسُ ملامحهم وتَعجنَ الريحُ وجوههَم، شرطَ أن ينتسبوا لهما، لهذا يولد الغجريُ مرتين، مرةٌ من رَحِم أمهِ، ومرة من رَحِمِ الشمس، ويظل يولدُ كلما قطع طريقاً جديداً، لذا يلقب الغجرُ بأبناء الشمس والريح والدروب، لم ينقضوا عهدهم مع الشمس ولم تنقض الشمس ميثاقها.

 
وقد اتسعت قبيلة الغجر، كل من يقدس فكرة السفر المتواصل ينتمي تلقائياً لهم، فرانز كافكا أصبح غجرياً حين قال “لو أن المرء فقط هنديٌ أحمر، يقظٌ على الدوام وعلى ظهر حصانٍ يسابق الريح “، والمتنبي أصبح غجرياً حين ألِفَ تَرحُّلهِ ولم يحاول في أرضٍ مقاماً منشداً “على قلقٍ كأن الريح تحتي .. أوجَهها جنوباً أو شمالا”، وقاسم حداد حين وضعته ساحرتهُ في المهب وأخبرته أنْ ليست الحياة في الإقامة، الحياة في السفر”.

والماءُ كائنٌ غجري، فهو كما يصفه إبراهيم الكوني- ماردٌ قدره الفرار، إذا مالت به الأرض جرى أفقاً، وإذا استوت به الأرض تبخر وطار إلى الأعلى.


أما قبيلة الطوارق دائمة الترحال والموزعة بين ليبيا ومالي والنيجر والجزائر فهي إحدى تجليات الغجر الأنيقة، تلك القبيلة التي ترى أن من نزل بمكانٍ أكثر من أربعين يوماً حلت عليه اللعنة، ففي ذلك نقضٌ لميثاق الريح المقدس.

3

يقول الغجر في أمثالهم: “لا تختر امرأةً تحت ضوء القمر”، فميثاقهم الشمسي يأمرهم أن يكون عشقهم واضحاً تحت ضوء الشمس لا القمر بِنُورهِ المخادع، الذي يستعيره من الشمس ليضل به خلقاً كثيرا.


كان القمر في غابر الأزمنة جزءاً من الشمس، لكنه انشق عنها في لحظة طيش، ظناً منهُ أن بمقدوره الاشتعال ذاتياً والإشراق على الكون منافساً أُمَّهُ الشمس، فانفصل وولى أدباره في غياهب السديم، خَشيتْ أمه عليه فظلت تحترق لتضيء له الدرب، وحسبَ أن الضوء ضوءُه، فتمادى في غَيِّهِ وضَلاله،


أطفأتْ الشمس ذاتها حتى يَرعَوي، فتوقف خائفاً ونظر للخلف، أشارت له الشمس ألا يبتعد أكثر، وفهم الأمر، خطوة أخرى وينطفيء للأبد، لكنّ الشمس الرحيمة كانت تعلم أن توقفه التام عن الحركة تعني فناءهُ واندثاره، لذا سمحتْ له أن يتحرك في مدارٍ مُقدرٍ ومعلوم حول الأرض، ندم القمر وحاول الرجوع إلى الشمس والالتحام بها مرةً أخرى، لكنّ كبرياء الشمس كان أكبر من عطفها، ومنذ ذلك الوقت لا الشمسُ ينبغي لها أن تُدرك القمرَ ولا الليلُ سابقٌ النهار.

لا تعشقْ امرأةً تحت ضوء القمر، القمر يستعير من الشمس ضوءها، ومنها يصكُ فضة وجهه، ويشتري ولاءات النجوم، يُعيد تكوين النور، يسقطه على وجوه البشر والكائنات فتُجن الظلال، كل الظلال إلا الغجر، المحصنون بالريح والشمس.

4

من احتكاك الحجارة بالغلاف الجوي للأرض تتولد الشهب، ومن احتكاك المسافر بثقافات الشعوب تتولد الدهشة وإنْ لم يتمكن المرء من اختراق الغلاف الذي يحيط بأية ثقافة؛ فالشعوب لا تكشف أسرارها بسهولة للغرباء، لكن تلك الدهشة، دهشة الاحتراق تستحق عناء التحول إلى شهابٍ ثاقب.
أمّا الغجر فعندهم اعتقادٌ مغاير لما نعرفه عن الشهب، فبالنسبة لهم سقوط شهابٍ يعني موتَ غجري في مكان من هذا العالم.

لم يكن الغجر شياطيناً حين هبطت عليهم في ذلك اليوم في أرضهم ببلدة بوشكار، التي تقع جغرافياً شمال الهند في إقليم راجستان ذي التنوع الثقافي الخصب، زمانياً تقع بوشكار في المنطقة الرمادية الفاصلة بين القرية والمدينة، حالها حال قرىً كثيرة في العالم حاولت أن تلبس رداء المدنية فوقعت في ثقبٍ أسود بين زمنين، فلا هي بالقرية ولا هي بالمدينة. يقيم الغجر على أطرافها، واقعين بدورهم بين زمنين، ماضٍ أسطوري ولّى، ومستقبلٍ لا يأتي، استغرقني الوصول إليهم ساعة كاملة على ظهر ناقة متأنيةِ تمشي الهوينى كما يمشي الوجِي الوحِلُ، كما يقول الأعشى في معلّقته الشهيرة.

يجتمع الغجر في ساحةٍ كبيرة يقدمون بها استعراضاتهم وموسيقاهم وحُليّهِمْ وزيّهم للسائحين، هذه الساحة هي الغلاف والقشرة التي تستخدمها الأرض لتضليل زُوارها الدخلاء عليها، طبقة من الماكياج التي تخطف أبصار الناظرين، ليظل باطن الأرض وكنزها في مأمن من الأقدام العابرة، وللوصول للمعنى يحتاج المرءُ الصبر والوقت والأدوات وبعض الحظ.

بدا لي المكان بكل ضجيجه فارغاً ومكشوفاً حتى برزت لي تلك الغجرية ذات النظرات الحادة والطول الفارع، امرأة على مشارف الستين ساءها أن تراني واقفاً دون دهشة أو انفعال، فالغجري يموت إذا فقد قدرته على إدهاش البشر؛ قلت لها لم أسمع من قبل موسيقى غجر الهند لكنّ هذا الغناء لا يُشبهكم!
اختفت فجأة نظرتها الحادة وحلّت مكانها نظرة مشاغبة وابتسامة جذلة، أشارت إلى خيامٍ بعيدة وهي تقول منازلنا هناك، إذا كنت ترغب في التعرف علينا يمكنني أن أصطحبك؟

كنت أنتظر الإشارة، لكني ترددت للحظة، قرأتْ خوفي فحاولت طمأنتي، نظرت بعينها ولم أر غير الشمس والريح، وتذكرتُ حينها “إدوارد بلوم” بطل الفلم الساحر “سمكة كبيرة Big Fish”، الذي رآى في طفولته طريقة موته، فَلَم يَعُد يخشى الموت في مغامراته المجنونة، قائلاً لنفسه كل مرة: اطمئن يا إدوارد .. ليست هذه الطريقة التي ستموت بها!


وهكذا قلت لنفسي وأنا أسير في طريقي لمنازل الغجر برفقة الغجرية وابنها : اطمئن فلن يكون موتي على يد هؤلاء الغجر.

التعليقات والأراء